عمر فروخ
193
تاريخ الأدب العربي
وتنشر في الفضا ليلا ، وتطوى * نهارا مثلما يطوى الإزار « 1 » . فكم بصقالها صدئ البرايا ؛ * وما يصدا لها أبدا غرار « 2 » . تبادي ثم تخنس راجعات ، * وتكنس مثلما كنس الصوار « 3 » . فبينا الشرق يقدمها صعودا * تلقّاها من الغرب انحدار « 4 » . على ذا قد مضى - وعليه يمضي - * طوال منى وآجال قصار « 5 » ! ودهر ينثر الأعمار نثرا * كما للورد في الروض انتثار « 6 » ؛ ودنيا كلّما وضعت جنينا * غذته من نوائبها ظؤار « 7 » هي العشواء ما خبطت هشيم ؛ * هي العجماء ما جرحت جبار « 8 » . فمن يوم بلا أمس ، ويوم * بغير غد اليه بنا يسار « 9 » .
--> ( 1 ) هذه المجرة تشبه الملاءة تنشر ( تبدو ، تظهر ) في الفضاء في الليل ثم تطوى ( تختفي ) في النهار ، فكأنّها إزار ( ملحفة ، ثوب أبيض واسع ) . . . ( 2 ) صقالها - صقال المجرة : لمعانها ( المقصود : دوام لمعانها وخلودها ) . صدئ البرايا ( الناس كلهم ) أتى عليهم الهرم ثم الموت . الغرار : حد السيف أو الرمح أو السهم . ما صدئ للمجرة ( على طول الزمن ) غرار : ما علاه الصدأ ( ما كل ولا ضعف ولا هرم ولا مات كما يتفق للبشر ) لا تزال باقية كما كانت . ( 3 ) تبادى - ( تبادئ : تبدأ قبل غيرها بالظهور ) . . تخنس : تتأخر ( في رأى العين عن غيرها ) راجعات ( كأنها تسير في السماء رجوعا ) . - يصف الشاعر هنا حال الكواكب المتحيرة كالزهرة ( بضم الزاي وفتح الهاء ) مثلا ، وهي كواكب تبدو للعين كأنها تسبق غيرها مرة ثم تتأخر عنها مرة . تكنس : تختفي ، تستتر ( إذا طلع الصبح ) . مثل ما كنس الصوار ( القطيع من الغنم أو الظباء ، الخ ) : دخل إلى الزريبة ، تختفي كلها معا . ( 4 ) - بينما نجد الشرق يدفع ( الكواكب ) صعودا ( نحو كبد السماء ) إذا بالغرب يحدرها ( يشدها هبوطا إلى أسفل ) لتغيب وراء الأفق في رأي العين . ( 5 ) - تلك هي حال حياة البشر ( لهم آمال وأماني وأغراض يريدون تحقيقها ) ولكن آجالهم ( أعمارهم ) قصيرة ( لا تتسع للقيام بجميع الأعمال التي يريدون القيام بها ) . ( 6 ) ينثر الاعمار : يفنيها ، يلقي بها واحدا بعد واحد . . . . كما يذوي الورد ثم تتساقط بتلاته ( أوراقه الملونة ) بلا تحقيق غاية ظاهرة وبلا اهتمام من الطبيعة . ( 7 ) - كلما ولد انسان في هذه الدنيا غذته ( أرضعته ) ظؤار ( جمع ظئر بكسر الظاء ) : التي ترضع الطفل وهي ليست والدته ( المقصود : كلما جاء انسان إلى الحياة حملته الحياة مصائب كثارا ) . ( 8 ) العشواء : الناقة التي لا تبصر في الليل ( فتخبط في مشيها على غير هدى ) . خبطت : ضربت ، أصابت بقوائمها فقتلت . هشيم : عشب يبس ( ولا يمكن أن يعود ناضرا كما كان ) . العجماء : البهيمة ( الحيوان ، إذ لا فكر ولا عقل له ) . ما جرحت : ما صنعت ، ما آذت أو أفسدت . جبار : لا تبعة فيه . في فقه المعاملات : جناية العجماء جبار ( إذا أفسدت البهيمة شيئا فصاحب البهيمة لا يطالب بعطل وضرر عما جنته بهيمته ) . ( 9 ) - تأتي بنا الحياة إلى الدنيا بعد أن لم نكن فيها ( يوم بلا أمس ) ، ثم تذهب بنا بعد أن كنا ( يوم بلا غد ) . يسار بنا ( لا إرادة لنا في مجيئنا إلى الحياة ولا في ذهابنا منها ) .